المايسترو والمعزوفة! قصة قصيرة تأليف عزت عبد العزيز حجازي

المايسترو
والمعزوفة!

وضع عم عبده فنجان القهوة على مكتبي؛ وهو يثرثر عن قصة لم ينهها بالأمس؛ ومع تعمقه في قصته تشكل وجهي.
إنتهت قصة الساعي (المطعون في صحتها) وتحول وجه مدعي الإستماع إلى رسمة سريالية رخيصة؛ مبررها؛ عدم معرفتي بالسريالية.
قلت؛ وأنا أحاول النظر في الفراغ: أنت تكذب يا عم عبده؛ أنت جهاز إعلامي ضخم؛ مخصص لإنتاج الكذب؛ أكاد أجزم بأنك إذا أردت الذهاب إلى الحمام؛ تقول بأنك ذاهب للمدير. حتى قهوتك السوداء تكذب؛ مقتدية بك.
تغير وجه الساعي؛ وأخذ يمسح المكتب بقطعة قماش؛ شاهراً وسواسه القهري في وجهي: كيف تقول لي هذا؛ لم تك من قبل بهذه الوقاحة؛ لا أظن أن غبار الملفات سبب لك لوثة.
-يا عم عبده؛ إني أتذكر كل كذبة قلتها؛ وكل كذبة لم تقلها بعد؛ وأمور لم أعرفها.
رد عم عبده باقتضاب: هأنت تتخبط كالمجنون من جديد. كيف تتذكر ما لا تعرفه بالأصل يا رجل؟.
قلت له بابتسامة شاحبة: لا أعلم؛ ولكني لا أستطيع أن أنسى ما لا أعرفه بسهولة.
صفق عم عبده بيديه: لا حول ولا قوة إلا بالله.
همست لنفسي (سبب شقاء العالم اختلاف وجهات نظر سُكانه)؛ ثم تذكرت مقولة عمي؛ وتحسست وجهي؛ مستشعراً أول صفعة على باب الزنزانة؛ أثبتت تلك المقولة؛ وبعد قليل؛ همست للجدار الصدئ الميت: ماذا لو تحالف العالم ضدي؛ واتفقوا أن ينزعوا المشمع عن سقفي في يوم ممطر؟؛ ثم دفعت الحبة الحمراء برشفة ماء؛ واستلقيت على الفراش؛ وما إن علم صرصار العاصمة بنية شريكة؛ حتى سارع بعزف مقطوعته الموسيقية؛ فرميت بنفسي على الفراش؛ وأنا أضحك؛ وأقول (هل هذه طريقة سيئة لإقناع السيد المايسترو بالصمت؟. ولكن لا؛ فالأمر السئ يكمن في ساعتي البيولوجية الغبية التي ترفض النوم كل يوم؛ والسوء كل السوء؛ هو في تناول حبوب المهدئ على أمل النعاس). وبعد حوالي الساعة؛ بدأ جاري في السكن بالشجار مع زوجته؛ ففتحت الزوجة النافذة؛ وأرسلت اللعنات على زوجها في الهواء الطلق؛ فدفنت رأسي تحت الوسادة؛ وهمست مبرراً (لعل زوجته اكتشفت فجأة بأنه كان يختبئ داخل عنجهيته وكبريائه وطيشه منذ قرون). وبعد مرور عدة دقائق قلت في الفراغ (لا فائدة من المقاومة). وعلى الفور؛ بدأت البحث كالملدوغ عن المايسترو؛ فاكتشفت مخبأة؛ وفي ثانية؛ أشعلت ورقة صغيرة؛ وأدخلتها بالجحر؛ ثم انتظرت دقيقة؛ لأتأكد من انتصاري؛ أو من هزيمة شئُُ فيّْ؛ وبعد ذلك نظرت إلى الساعة وتمتمت (لم يبق على صلاة الفجر إلا ربع الساعة؛ سأنام بعد الصلاة؛ ولكني مللت تمثيل هذا الدور كل يوم؛ فمتى سأعترف بأني لم أنم أبداً قبل صلاة الفجر؟).  
وضع عم عبده فنجان القهوة؛ وغادر بصمت؛ فنهضت بسرعة؛ ووقفت أمام الملفات؛ وصحت: حامد؛ هل جُننت؟؛ ثم صرخت؛ وأنا أرمي الملفات: سبب شقاء العالم اختلاف وجهات نظر سُكانه.
نادي المدير الأمن؛ وبشفقة صعد بي الحارسين إلى المدير العام؛ وهناك تحدث المدير من وراء الباب: أعطوه مستحقاته؛ وأخرجوه من هنا. وفجأة؛ فتح الباب أحد الموظفين؛ وولج الغرفة: حضرة المدير؛ حضرة المدير.
همهم أحد الحارسين: لا حول ولا قوة إلا بالله. وفي منتصف النهار؛ عدت لغرفتي؛ ولملمت أغراضي؛ وفتحت النافذة؛ فسمعت جاري يبكي؛ وزوجته تحاول مواسات؛ وبعد هنيهة؛ تمددت على الفراش؛ وضحكت؛ وبكيت؛ وفجأة اجتمعت كل الصراصير المهاجرة في حقائب أبناء القرى؛ وراحت تعزف في تظاهره أمام جحر المايسترو معزوفة الحرب والسلام؛ فأنصت لها؛ ولهواجسي القديمة؛ ورحت أردد مع الأموات والأحياء: لن أعيش في السطوح العارية؛ لن أعيش. وانضممت للتظاهرة.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كام قطر فات؟! غنائيه عاميه من كلمات عزت عبد العزيز حجازي

كام قطر فات؟! ************* كام قطر فات يا مانا واحنا .. واحنا لسه متربعين ع المحطة في انتظار .. ؟! كام قطر فات يا مَّاَنَا وا...