جبروت الطاغية .. وطغيان الحاشية
الفصل الأول
الحزء الثاني
o لم نعرف الرئيس (مبارك)
قارئاً أو كاتباً أو مشغولاً بالقضايا الإبداعية؛ وكل ما كتبه في حياته لا يزيد على
التأشيرات التي إضطر لكتابتها بحكم مواقعه الوظيفية؛ في الجيش والقوات الجوية؛ ثم رئاسة
الجمهورية؛ وعندما تولى الحكم لم يعجبه من الكتاب سوى (سمير رجب) الذي كان يكتب إفتتاحيات
صحفه؛ ومجلاته الصادرة عن (دار التحرير) وبعيداً عن ضعف وبساطة وهشاشة (سمير رجب) وعدم
إعتماده كاتباً من ذوي الأساليب؛ فإن هذا الإعجاب الذي أبداه الرئيس بهذا الكاتب الحكومي
يكشف عن عدم قدرة الرئيس (مبارك) على (الفرز)؛ لهذا فإن(مبارك) يكره حرية الصحافة؛
وفي عهده دخل صحفيون السجون بسبب مقالات كتبوها؛ حتى اللقاء السنوي الذي يحضره الكتاب؛
تحول إلى فرصة ليقول الرئيس ما يريد قوله؛ فلا حوار ولا منافشة؛ ولا إهتمام بأي نوع
من أنواع الفنون؛ وهذا يعني فقر خيال (رأس السلطة).
.. وها نحن ندفع ثمن هذا الفقر؛ فالرئيس المصري الحالي
واحد من أعداء الكتابة والقراءة؛ وهو مشغول بمشاهدة التليفزيون والإتصال بالمذيعات
والمذيعين ومنحهم شهادات التقدير إعجاباً بأدائهم على الشاشة. أما الكُتاب الذين حصلوا
في عهده على شهادات وجوائز من الدولة؛ إكتفى بمصافحتهم وتسليمهم الجائزة دون كلام أو
حتى مناقشة في (الأدب) الذي يكتبونه.
.. ومثل هذا الرئيس الذي لا يقرأ يقع فريسة سهلة لألاعيب
(الدكاترة) الذين يعملون معه ضمن طاقم مكتبه؛ والشعوب التي يبتليها الله برؤساء لا
يقرأون ولا يكتبون يدفعون الثمن؛ فتتحول الدولة –من أقصاها إلى أقصاها- إلى (قشلاق)
محكوم بقوانين العسكرية الصارمة.. وقد كان الرئيس (جمال عبد الناصر) و(السادات) يعشقان
القراءة في سنوات شبابهما؛ ولهما كتابات أو محاولات أدبية؛ وكذلك اللواء (محمد نجيب)
كتب مقالات مهمة في صحف زمانه ونشر كتاباً هاماً منها عن السودان بعنوان (رسالة عن
السودان) ننشر فصلاً منه ويتعلق بجوهر العلاقة بين الشعبين المصري والسوداني؛ والمقال
يعكس عمق الوعي الذي تمتع به الرئيس (نجيب)!.
.. والكتابة –في حد ذاتها- تعطي الرئيس المسئول عن
أرزاق وأرواح الملايين سعة في الأفق؛ قيلين ويرق ويناقش ويراجع نفسه ولا يصر على أخطائه؛
ولا يعاند الشعب؛ ولا يقبل بوجود الفاسدين حوله؛ ولا يمنحهم المواقع المؤثرة؛ على حياة
الناس.
.. وكثير من الجفاف والغلظة التي يتسم بها النظام الحاكم
في مصر سببه أن رموزه لا تقرأ؛ وعدم قراءتها أو تمتعها بالقدرة على الكتابة جعلها رموزاً
عنيدة تعاند ولا تناقش؛ تطبق نظرية في الحكم تقوم على تنفيذ الأوامر لا المناقشة الديمقراطية.
1-فصل من (رسالة عن السودان)
تأليف الرئيس (محمد نجيب)
(.. يعتب علينا إخواننا السودانيون لأخطاء تقع في بعضها
بحسن نية؛ وفي البعض إهمالاً؛ وهم إن غفروا الأولى؛ فهم يتألمون من الثانية؛ خصوصاً
فيما يتعلق بحقوق المواطنين أو بالمسائل الوطنية؛ وتدخل في ذلك الظاهرة النفسية التي
تجسم الأخطاء إن وقعت من شخص تربطنا به القرابة أو الوطنية؛ لاسيما ونحن في وقت يوجب
الإنتباه لكل صغيرة وكبيرة.
.. وسأذكر فيما يلي بعض
هذه الأخطاء على سبيل المثال:
أولاً: –قبل كل شئ- يأخذون علينا جهلنا بأمور السودان
من لغة ودين ومدنية وجغرافيا وتاريخ وإجتماع إلى أخره؛ مستشهدين بأمثلة يخجل الإنسان
منها؛ في كثير من الأحيان؛ بينما يعرف السودانيون أننا ملمون بالكثير من شئون البلاد
العربية الأخرى؛ بل نعرف عن أوروبا وأمريكا أكثر مما نعرف عن السودان.
.. وإني أعتقد بأن من أهم أسباب هذا الجهل النقص الفاضح
في مناهج التعليم عن جغرافية السودان وتاريخه وأحواله؛ يضاف إلى ذلك إهمال صحافتنا
لهذه النواحي؛ كما أن منها إحجامنا عن زيارة السودان؛ إلا نادراً؛ وحتى من يزوره منا؛
يعود فلا يتحدث عنه إلا غراراً؛ أو يقصر حديثه على التافه من أموره؛ ولا يتعرض لوصف
البلاد أو الكتابة عنها؛ ومن ذلك أن إخواننا النوبيين منتشرون بيننا في مصر؛ ولهم رطانات
خاصة؛ فيظن المصريون أن جميع سكان السودان هم من هؤلاء المواطنين.
.. ومن الأسباب المهمة تلك السياسة الخاطئة التي جرت
عليها مصر؛ والتي مازالت أثارها باقية إلى الآن؛ من نفي كل مغضوب عليه إلى الصعيد؛
أو إلى السودان؛ فلا يتحدث هؤلاء المنفيون إذا عادوا؛ إلا عما لاقوا من متاعب ومشاق؛
فيبالغون في تصوير السودان وما يزعمون فيه من أهوال خصوصاً أن المواصلات في القرن الماضي
كانت صعبة وبدائية؛ وكثيراً ما كان أمثال هؤلاء لا يعودون إلى مصر؛ إما لأن عودتها
كانت غير مرغوب فيها؛ وإما لأن بعض المصريين كانوا يستطيعون العيش في ربوع السودان
فيسطوطنونه ولا يعودون منه؛ فيظن ذووهم أنهم هلكوا هناك؛ ولا يفوتنا أن نذكر ماكان
يتركه هؤلاء المبعدون في السودان من أسوأ الذكريات بين السودانيين.
.. ثانياً: يعتب علينا السودانيون عدم إكتراثنا بمن
يزور مصر من أبنائهم؛ ومنهم كثيرون من الشخصيات البارزة والزعماء؛ قيأتون إلى مصر ويعودون
منها دون أن يشعر بوجودهم أحد.
.. ثالثاً: يأخذون علينا أننا لاندقق في إختيار من
نرسله إليهم من الموظفين وغيرهم ممن يعتبرون أنفسهم أجانب عن السودان؛ فلا يعاملونهم
إلا بالصلف والكبرياء؛ ولا يختلطون بهم أو يشاركونهم فيما يشارك فيه المواطن مواطنه؛
بينما يشاركهم الإنجليز في شتى المناسبات مما كان أولى بالمصريين.
.. وأخيراً: يشكون مُر الشكوى من حاجتهم إلى المكتبات
العامة؛ وإلى المستشفيات؛ ومصر لا تحرك ساكناً في هذا المضمار.
.. ما نأخذه على إخواننا
السودانيين:
.. حرصاً على شعور إخواني السودانيين إستخلصت هذه الإنتقادات من أخ سوداني من العاملين لقصة وادي النيل:
-يتسرع بعض إخواننا السودانيين في اللحكم على أمورنا
من مجرد ظواهرها؛ ويغالون أحياناً في المؤاخذة. ناسين أننا مثلهم مغلوبون على أمرنا؛
وأن بيننا على الأقل كثيرين ممن يعرفون مواطن الضعف؛ فيعملون على تلافيها بقدر ما تسمح
به الظروف.
. مثال ذلك إهتمام المصريين بإظهار ما تكنه نفوسهم
تجاه إخوانهم السودانيين كلما سنحت الفرصة؛ كدلك المساعدات العديدة التي تسديها مختلف
الوزارات كالمعارف والدفاع والتجارة والتموين وغيرها من الهيئات المصرية الأخرى كالغرف
التجارية وبنك مصر من إلحاق إخواننا السودانيين في الوظائغ المختلفة؛ ومن قبول الطلبة
بالمجان وقبولهم ضباطاً وجنوداً بالجيش المصري؛ ومن إسداء كل مساعدة ممكنة للسودانيين
من موظفين وتجار وغيرهم.
-يعتقد قليلون من إخواننا من طلاب الوظائف وغيرها؛
إذا لم يفز الواحد منهم ببغيته أن السبب هو مجرد كونه سودانياً. بينما يكون السبب عدم
توفر المؤهلات مثلاً؛ مما لاشأن له بكون الطالب سودانياً أم مصرياً.
.. وكان الواجب –قبل كل شئ- أن يعتقد هؤلاء بأن لا
فارق بين سوداني ومصري؛ بل أن الجميع في الحقوق والواجبات سواء.
.. يبقى إخواننا السودانيون حكمهم على أخلاق المصريين
في الغالب على أساس خاطئ بحكم إقامتهم في العواصم الكبيرة؛ وعدم إختلاطهم بصميم المصرييين
في الأرياف؛ حيث توجد البيئة المشابهة لبيئة السودانيين؛ في الأخلاق والعادات فيحكمون
على جميع المصريون؛ بما يصادفونه من نقائض المدن الكبيرة؛ وكثيراً ما تصدر هذه النقائض
عن أجنبي؛ كل ما في الأمر أنه يلبس الطربوش أو يتحدث بلهجة المصريين.
.. وعلى كل حال فكل ما ذكرت أو معظمه لايعلق عليه بالسودان
أو بمصر؛ ولكن أخشى أن يصبح دعاية خطرة؛ وأرجو أن يزول جميع ما يؤخذ على المصريين أو
السودانيين؛ وأن يعمل الجميع على أساس أنهم جميعاً إخوة؛ لا فارق بين "بحراوي"
أو "صعيدي" أو "سوداني" أو "نوبي" أو "عربي"
من أبناء وادي النيل.
.. هذه بعض وسائل العلاج:
.. لقد عمل الإنجليز على فصل السودان عن مصر بكل ما
أوتوا من حول وقوة من يوم أن وطئت أقدامهم وادي النيل؛ وهو قد صحت نيتهم على تنفيذ
ذلك في أسرع وقت.
.. فهاهم يعملون سافرين ويلوحون للسودان بالحكم الذاتي؛
أو الإستقلال عن مصر؛ وبالطبع لكل شعب في الوجود أن يرحب بالإستقلال؛ خصوصاً إذا لم
يجد من مصلحته التعلق بأهداب قطر شقيق ضعيف لا يعيره بالاً ولا يوليهه إهتماماً؛ ولقد
وصلنا إلى المرحلة الخطرة؛ فلم يبق أمامنا سوى البحث عن علاج سريع؛ حاسم.
.. ولا أرى علاجاً أنجح من تطبيق ذلك المبدأ الذي يصرح
به زعماؤنا مراراً وتكراراً؛ من أنه لا فارق بين مصري وسوداني؛ بل إن للسوداني ما للمصري
من حقوق وعليه ما عليه من واجبات؛ وهو علاج بسيط لا يكلفنا سوى شئ من الحزم وصدق العزيمة؛
فالبلاد من منبع النيل إلى مصبه بلاد واحدة؛ وإلى الآن لا توجد جنسيتان متميزنان عن
بعضهما إحدهما مصرية والأخرى سودانية. "ولو أن في رأس قائمة أعمال المجلس الإستشاري
لشمال السودان مشروعاً لفصل الجنسية السودانية سيصبح سيفاً مسلطاً على رأس كل سودانييقول
بوحدة وادي النيل؛ حتى ولو لم تعترف مصر بهذه الجنسية المصطنعة".
.. إذن فلنعط السودانيين حقوقهم في وادي النيل أولاً؛
ثم لنطالبهم بعد ذلك بما عليهم من واجبات.
. لنعطهم حقوقهم داخل هذا الجزء من وادي النيل؛ الممتد
من البحر الأبيض المتوسط إلى فرس وأدندان "مصر" ولنتخذ لذلك نسبة من عدد
السكان وهي الثلث.
.. بل فلنعطهم ولو جزء من هذه النسبة في عضوية البرلمان؛
وفي غيره من مرافقنا كالوزارات والمصالح الحكومية.
.. فلنعطهم مؤقتاً أي عدد يمثلهم في البرلمان؛ ولو
ننتخبهم بطريق غير مباشر كإنتخاب سودانيين ممن أصبحت إقامتهم بمصر بصفة مستمرة؛
"إذا خشينا تدخل الإنجليز؛ ولنجعل من بين الوزراء واحداً أو إثنين من السودانيين؛
ومن المديرين نحو ذلك؛ وهكذا".
.. ولو نعتبر ذلك عربوناً
أو مثلاً لتطبيق مبدأ المساواة في الحقوق.
.. ولنعين في وظائف الحكومة كل من تتوفر فيه الشروط
من السودانيين المتخرجين في معاهدنا؛ وهم الذين يحرم عليهم التوظف في السودان؛ مما
سيصبح سبباً مهماً في إعراض السودانيين عن معاهدنا.
. ولنكثر من إنشاء المعاهد العلمية المصرية في السودان؛
ومثل ذلك المنشأت الصحية والإجتماعية الأخرى؛ مما يحتاج إليه السودانيين أشد الإحتياج.
.. ولنشجع على إلتحاق أكبر
عدد من أبناء السودانيين بمعاهدنا العلمية.
.. ولنعمل على تحسين الإذاعة
والمواصلات لربط مصر بالسودان أدبياً ومادياً.
.. ولندرس أدق التفاصيل المتعلقة بالسودان؛ ونغرس وحدة
وادي النيل في نفس كل طفل حتى تصبح عقيدة راسخة يقدسها الجميع ويعملون على تحقيقها...
بعد ذلك؛ أنظروا إلى وادي النيل؛ ولاحظوا أثر هذا الحل الذي قد ينبري له البعض بالنقد؛
فيقولون مثلاً أنه حل غير عملي؛ أو أنه سيعرضنا لتدخل الإنجليز؛ أو أنه لن يؤثر على
ما يجري في السودان.
.. لكن ردي عليهم أن جربوا هذا الحل عملياً؛ ثم أنظروا
إلى النتائج؛ فسيتبين لكم أن كل نقد ضده إنما هو وليد الضعف؛ وعدم الثقة بالنفس؛ وسيتضح
لكم أنه الحل العملي الوحيد في الوقت الحاضر.
.. جربوه فإن لم تنفع التجربة فلن نخسر شيئاً؛ وإلا
فليأت المعارضون بحل عملي آخر؛ وسنكون له أول المتبعين.
.. إننا إذا عملنا بهذا الحل أو بما يشبهه فسيقضي هذا
الحل على كل محاولة للتفرقة؛ وسيصبح سلاحاً ماضياً في أيدي إخواننا السودانيين؛ يحاربون
به تلك الفئة القليلة التي تجري وراء ما يمنيها به الإنجليز من وراء الإنفصال عن مصر.
.. أما إذا لم نجد من الشجاعة والعزم ما نقوى به على
تنفيذ هذا؛ فنصيحتي لمصر أن تتنازل للسودانيين عن كل شئ لها في السودان؛ قبل أن يدعي
لإنجليز أنهم إستخلصوا للسودان حقوقه من مصر؛ وقبل أن يدَّعوا أنهم خلعوا على السودان
إستقلاله؛ بعد أن إستخلصوه من أيدي المصريين؛ فالقوم قد وطنوا العزم على فصل السودان
عن مصر في أسرع وقت مستطاع؛ وأنهم قد مهدوا لذلك واتخذوا له العدة.
2- الفصل الأول من رواية (في سبيل الحرية)
تأليف الرئيس (جمال عبد الناصر)
(.. يوم لا ينسى؛ هذا اليوم العابس أوله؛ الباسم أخره؛
في عام 1807؛ قال الإنجليز"هذه مصر؛ إستقلت عن الطرق وحكمت نفسها؛ وهي على هذا
لقمة سائغة تمضغ وتبتلع؛ إذ ماذا تستطيع ملايينها الثلاثة أن تصنع أمام أسطول بريطانيا
وجيشها المدرب العظيم ومدافعها وقنابلها"؟!!.
.. قال الإنجليز "هذه هي الفرصة قد سنحت لتحقيق
حلم قديم؛ وأمل طالما جاش بنفوس الإنجليز القدماء؛ وما هي إلا أسابيع حتى رست على شواطئ
الأسكندرية أساطيلهم؛ ودوت القذيفة الأولى
من قذائف البحرية البريطانية؛ وهم يظنون أنها مسمار كبير في نعش الحرية والكرامة المصرية؛
وعما قليل سوف تكفن هذه الحرية وتوسد في قبرها وينهال عليها التراب.
.. أصبحت الأسكندرية ذات الماضي الحافل؛ تتقد ناراً؛
وتشتعل ناراً؛ رأى المصريون على ضوءها أفظع صور الظلم والجشع والطغيان.
.. وهام أهل الأسكندرية على وجوههم وخرجوا بأطفالهم
ونسائهم لا يعرفون مصائرهم؛ وبيوتهم من ورائهم تعصف بها عواصف الجحيم.
.. نار في كل مكان؛ نار
في المدينة / ونار في القلوب.
.. وكان اليوم العابس هو
16 مارس 1807.
.. ولم تكد تغيب شمس هذا اليوم؛ ويحتجب قرصها الملتهب
وراء اليم؛ حتى سطر القدر بيده على صفحة الأحداث أغرب الأهوال والمصادفات.. وكأن التاريخ
الذي يحمله ذلك اليوم هو أول مصادفة غريبة؛ ففي نفس التاريخ 16 مارس ولكن من عام
1803 سبق أن جلاء الإنجليز عن حصون الأسكندرية وقلاعها وسلموها كاملة إلى"خورشيد"
باشا؛ حاكم الثغرا.
.. كانوا قد أتوا عام 1801 ليعاونوا الأتراك في طرد
الفرنسيين وجلاء الفرنسيون في ذلك العام؛ ولكن لم يجل الإنجليز إلا بعد عامين كاملين.
.. كانوا يأملون أن يطول بهم المقام أبد الدهر؛ ولكن
سارت الحوادث على غير ما يشتهون؛ فكانوا أن حملوا عصاهم على كاهلهم ورحلوا عن البلاد.
.. واليوم يعودون وفي نفس التاريخ! بعد أربعة أعوام
كاملة لكي يحققوا الحلم الذي لا يفارق أعين المستعمرين القدامى.
.. وجلس الجنرال "فريزر" –قائد الحملة- في
غرفة القيادة بسفينته تحت صورة الأسد البريطاني؛ وراح يفكر في هذا الإتفاق التاريخي
الغريب! ولم يدر الجنرال أيتفاءل بهذه المصادفة الغريبة؛ ام يتطير بها؟! والحقيقة أنه
كان يحس -بينه وبين نفسه- بالضيق والتشاؤم؛ فمنذ أن كُلِفْ بقيادة الحملة والنذر السيئة
تأبى إلا أن تبلغه؛ فهو يتذكر كيف هبت عليه عاصفة هوجاء؛ شطرت حملته نصفين في عرض البحر؛
في اليوم الذي غادر فيه صقلية إلى الأسكندرية؛ ولقد تطير الرجل منذ أول وهلة بهذه الريح
العاتية؛ التي فصلت باقي سفنه عنه؛ واليوم جاءه رسول ينبئه بوفاة "محمد الألفي"
زعيم المماليك وصنيعة الإنجليز؛ وإغتم "فريزر" لذلك غماً شديداً؛ وكاد يدركه
الخبال من فرط الصدمة؛ فقد كان يعقد رجاء كبيراً على الألفي وجنوده؛ فمنذ برهة قصيرة
كان يتحدث مع قادة الحملة ويذكر لهم أن للحملة بقية كبيرة في البر؛ وكان يقصد بهذا
أن المعنى جيش الألفي؛ إذ كانت خطة الإنجليز أن يتقدم الألفي بجيشه أمامهم؛ يمهد لهم
الإستيلاء على القطر؛ وهم يشدون أزره من الخلف؛ وبذلك يتلقى المماليك أثقل صدمة؛ ويقع
على عاتقهم أفدح الخسائر؛ وعندئذ يسهل على الإنجليز إزدراد اللقمة السائغة؛ وحينما
يتم لهم النصر الزائف؛ لا يفتهم أن يتحدثوا طويلاً عن التضحية بأخر رجل لديهم؛ من رجال
المماليك!.
.. ومن أجل ذلك كاد "فريزر" يُجَنْ وهو يستمع
إلى النبأ المشئوم.. وسأل الرسول متجهماً:
-مات الألفي.. كيف مات؟!
-مات وحده يا سيدي.
.. فغضب "فريزر"
وصرخ:
-هذا الخائم من أمره أن يموت الآن؟!!.
.. وتعجب الرسول من أمر الرجل؛ وراح يحكي له كيف إنتظرهم
"الألفي" طويلاً بدمنهور فلما تأخر مجيئهم؛ رحل عنهم إلى الجيزة؛ فأصابته
الحمى الخبيثة وهناك وافته منيته؛ وتابع "فريزر" حديثه:
-لقد دفعنا للألفي كثيراً.. والآن يتركنا ويموت.. على
أية حال نحن على أتم الإستعداد لأن ندفع لغيره.
.. كانت عقيدة الإنجليز أن الذهب يشتري كل الذمم؛ لقد
بيع "الألفي" وهو مملوك صغير إلى "مراد بك" بألف إردب من القمح؛
ولذلك سمي بالألفي؛ وقد كان كل حاكم من حكام مصر العثمانيين والمماليك صورة من
"محمد الألفي" في نظر الإنجليز؛ يباع في صغره بالقمح؛ ويشترى في كبره بالذهب!.
.. ولقد نجحت عقيدتهم الملتوية؛ وأفلحت مع خائن آخر
هو "أمين أغا" حاكم الأسكندرية؛ واشتروا ذمته بالأصفر الرنان؛ فلم يلبث أن
سلم الثغر الآمن؛ وعندما فتحت أبواب السفن أمام جنود الإنجليز إندفعوا يهبطون فوق الدرجة
الممدودة إلى البر في إنطلاق وجنون.. وكانوا أشبه بالمارد الحبيس الذي إنطلق من سجن
ضيق إلى فضاء رحيب؛ وراحت أقدامهم تدنس الثرى الطيب.
.. وسلم الخائن "أمين أغا" جنود الحامية
للعدو؛ فبعث بهم أسرى إلى "مالطة"؛ ومع ذلك فقد بقى هناك نفر من المجهولين
الأحرار ممن رفضت نفوسهم الضيم وإستعصت على الهزيمة؛ فأخذوا يتربصون بالعدو الدوائر
ليذيقوه من مرارة كأسه وإستطاعت جماعة منهم أن تحرق مركبين كبيرين من سفن "فريزر".
.. وكان الليل ساجياً هادئاً عندما صعد لهم المركبين
إلى أجواء السماء وأحس "فريزر" بغصة في حلقه؛ وقد وقعت عيناه على هذا المشهد
من خلال الكرة الصغيرة في غرفته وجمدت يده على كأس الخمر التي يشرب نخبها إحتفالاً
بنصره الغادر؛ الرخيص.
.. وكان يجلس قبالته الأميرال "لوس" قائد
البحرية وقد ملكته نشوة الخمر والزهو معاً؛ حين نجحت مدفعيته في إصابة أكبر أبراج الإسكندرية
عند الغروب؛ كم كان منظر المركبين المحترقين أليماً ومؤثراً في نفوسهم المتبلدة؛ أما
الحريق الذي شب في البرج الكبير؛ وفي دور الإسكندرية الوادعة؛ فكان مثاراً لغبطتهم
وهنائهم.
.. وبدا الشاطئ المقدس من بعيد صامتاً؛ رهيباً؛ تهدر
الأمواج عند أقدامه؛ وترتفع النيران فوق عامته... ولاحظ القادة الجالسون أمام الجنرال
ما عليه كبيرهم هذا من هم وتوجس!!... وتكلم "فريزر" وخرج صوته ضعيفاً؛ متهدجاً؛
من بين شفتيه:
-لا أدري ماذا يخبئ لنا القدر على أرض الفراعنة؛ لقد
مات الألفي الذي كنا نعتمد عليه وعلى رجاله وحرق المصريون سفينتين من سفننا وأبطأ عنا
شطر الحملة الثاني؛ وأظن أن عددنا ليس كافياً إزاء المقاومات الشعبية المتوقعة من الأهالي
المصريين.
.. وإستطرد الجنوال حديثه وهو يدق المنضدة بيده مؤكداً
أهمية قوله:
-لكننا سنسعي جاهدين لتحقيق مهمتنا بكل الأساليب وبكافة
الحيل؛ فمصر تعني لنا ثلاثة أمور: الهرم؛ والنيل؛ والبحر الأحمر؛ ويعني الهرم التحف
والآثار والذهب؛ ويعني النيل الخير والرفاهية؛ أما البحر الأحمر فإننا عازمون على إخضاعه
للتاج البريطاني؛ فهذا البحر ما هو إلا تتمة لنهر التايمز إلى الهند الخصيبة؛ ومن أجل
ذلك دمرنا أسطول نابليون في "أبي قير" منذ تسعة أعوام؛ ومن أجل ذلك؛ نزلنا
بجيوشنا في مصر منذ ستة أعوام؛ ومن أجل ذلك نعود إليها اليوم؛ فهي نار في القلوب..)!!!.
جوانب ثقافية في حياة
(عبد الناصر)
.. ثمة وثائق شخصية للرئيس (جمال عبد الناصر) هى أوراق
كتبها لنفسه؛ وليس للنشر؛ فجاءت معبرة عن أفكاره وسياساته بلا تزييف أو تزويق؛ صفحات
مجهولة من تاريخ هذه الشخصية.
.. وقد كان من اللافت حقاً في هذه الأوراق أن (عبد
الناصر) إلتحق بمدرسة النهضة الثانوية في حي الظاهر بالقاهرة؛ ليعيش في كنف عمه (خليل)
بسبب إشتراكه في إضرابات الإسكندرية حيث كان يقيم مع أسرته؛ وذلك إحتجاجاً على إستصدار(إسماعيل
صدقي) مرسوماً بإلغاء دستور 1932؛ وفي مدرسة النهضة أصبح رئيس إتحاد طلاب مدارس النهضة
الثانوية؛ وتبدى شغفه بالقراءة في فروع المعرفة فاطلع على سيرة رسول الله (ص) وأبطال
الإسلام؛ وكذلك كتابات (روسو وفولتير وتشارليز ديكينز وفيكتور هوجو) وأشعار (شوقي وحافظ
والعقاد) وروايات (توفيق الحكيم) ومنها (عودة الروح) التي تركت في نفسه أثراً طالما
تحدث عنه؛ وقرأ عن تاريخ الثورات خاصة الفرنسية المثل الأعلى للثورات التي أتت بعدها؛
وقرأ عن كبار القادة والثائرين في التاريخ مثل الإسكندر الأكبر؛ ويوليوس قيصر؛ ونابليون
ومصطفى كامل وغاندي؛ وكتب مقالاً عن (فولتير) بعنوان (فولتير رجُل الحرية).. ثم حاول
بعد ذلك أن يؤلف رواية عن (حملة فريزر على مصر)؛ لم يتمها؛ كما كان يقوم بجمع مختارات
أدبية؛ أشعار للعقاد؛ وقصة (حديث قطن) للرافعي... وقد كان من المدهش أن يتم إختيار
الطالب (جمال عبد الناصر) عام 1952؛ لأداء شخصية (يوليوس قيصر) بطل تحرير الجماهير
في مسرحية (شكسبير) المعروفة؛ بعد ما رأى فيه المدرس المشرف على المسرح المدرسي مهابة
وكاريزما تليق بدور قيص؛ وكان هذا المدرس يحوز رؤية نافذة في التاريخ؛ وفي نفس الوقت
يقرأ المستقبل... أما بالنسبة للرئيس الراحل (أنور السادات) فالأمر يختلف ككاتب له
رؤية وقلم؛ حيث كان نابغاً متعدد المواهب الأدبية والفنية والإبداعية؛ في لغته العربية
واللغة الإنجليزية ووعيه السياسي العميق؛ بل إنه حتى وهو نزيل سجن الأجانب في عام
1946 بعد إتهامه في قضية الإغتيالات السياسية
التي أطاحت بحياة الوزير (أمين عثمان)؛ وفوق هذا وذاك كان وهو في قفص المحاكمة وداخل
زنازين السجن؛ من أقوى المتهمين شخصية وأكبرهم عمراً؛ وأكثرهم ثقافة وتجربة.
مذكرات يوم الجمعة (18 يناير 1964)
.. دخلت سجن الأجانب بعد منتصف الليل؛ بعد أن عُدت
من سراي النيابة؛ هاهو ذا سجن الأجانب يضمني ثانية بعد أن كنت قد نسيته تماماً؛ وقد
نقلت إلى السجن في شهر سبتمبر 1944؛ في أواخر عهد الحكومة الوفدية؛ على أثر مشادة بيننا
وبين إدارة المعتقل بالزيتون؛ تمهيداً لترحيلنا إلى (الطور) كما إرتأى الحاكم العسكري
وقتذاك.
.. ومن إصدارات الرئيس (السادات) على طريق هوايته الأدبية
ومشواره الثقافي حتى نهاية عمره.
.. ومن أطرف ما كتبه تلك المذكرات التي تصور تفاصيل
الحياة داخل السجن؛ في أصدق تصوير؛ وأطرف أسلوب؛ وقد نشرت هذه المذكرات مجلة (المصور)
وهي تحمل الكثير من الرؤى والخواطر التي دونها (السادات) بشكل دقيق ولماح وساحر لأحوال
سجناء مصر وقتها في كافة ظروفهم الصعبة البائسة؛ لهذا إخترت بعض المواقف من هذه المذكرات
حتى أخفف من وطأة ما تعرضت له مصر وأهلها في غياهبسجون ومعتقلات ووسائل تعذيب تلك المرحلة
البشعة التي كانت ميداناً لطغيان (مبارك) المخلوع وأذنابه.
.. حدث ذلك بعد أن تم الحكم لـ(السادات) بالبراءة؛
وإنضم للعمل ضمن أسرة دار(الهلال) في عام 1948.
(20 يناير 1946)
.. مضى عبيّ ثلاثة أيام وأنا أنام ببذلتي؛ بدون أن
يحضروا ملابسي وحاجياتي من سجن مصر حيث كنت.. لذلك كتبت خطاباً شديد اللهجة إلى النائب
العام لتركي بدون ملابسي؛ أو حتى صابونة لأغتسل؛ وقد سبب لي النوم بالبدلة إلتهاباً
شديداً قي فخذي جعلني أهرش؛ كما لو كنت (أجرب)!!.
الإثنين (12 يناير
1946)
.. يظهر أن خطابي للنائب العام أحدث أثراً؛ فقد أحضر
لي مأمور السجن ملابسي؛ كما أحضر الصابون؛ وقد طلبت حماماً ساخناً فأذن لي المأمور
بذلك؛ واستمتعت بإستلقاءة بديعة داخل البيجاما والبطاطين!!.. رغم أن الفسحة في السجن
معدومة؛ كما أن غرفة السجن مظلمة وشديدة الرطوبة.
الثلاثاء (23 يناير
1946)
.. أصبحت الحالة لا تطاق؛ فلم يسمح لي بالتوجه إلى
دورة المياه في الصباح كالمعتاد؛ وقد كتبت للنائب العام مرة ثانية؛ أبلغه بهذه المعاملة
الشاذة؛ خاصة فيما يختص بالسماح لي بالقراءة؛ ولكنه سامحه الله؛ لم يسمح لي بشئ؛ ولا
حتى المصحف الشريف.
يوم (14 فبراير 1946)
.. ليس في الإمكان أبدع مما كان؛ فقد صحوت اليوم على
صوت حنون يغني (كليوباترا) وآهاتها؛ إنها (ليلى) في الغرفة المجاورة.. لقد إمتزجت البراءة
مع رقة الأنوثة؛ في إخراج هذا النغم الساحر؛ إنني أعشق الموسيقى بكل جوارحي؛ وأكثر
من ذلك فهى تضفي على هذا الجو الرهيب لوناً خفيفاً طلياً من الجمال الذي يرتفع بالنفس
إلى آفاق الروح؛ فينسى الإنسان الزمان والمكان والأشياء! أستغفرك اللهم وأحمدك حتى
ترضى.
يوم (17 فبراير 1946)
.. طلعت علينا جريدة (المقطم) وفيها خبر نقل (كيلرن)
من مصر؛ ولما كنت أبغض هذا المخلوق الذي أدمى كرامة مصر كلها؛ فقد صممت أن أحتفل بهذه
المناسبة بقدر ما أتمكن؛ فأرسلت في شراء دستة جاتوه بإسم المسجونة (ليلة الهندية) ووزعتها
على ليلى والسجانات والسجانوالفراشة؛ واستبقيت ثلاث قطع أكُلها على فنجان شاي المساء..
وقد إستمتعت بأكلها آيما إستمتاع؛ خاصة أن (المعازيم) تركوها لي من النوع المملوء بالكريمة!.
.. وفي الساعة الثانية صباحاً إستيقظت على مغص وإسهال
مروع؛ واتضح لي أن الجاتوه كان تالفاً وقد جئ من دكان بشارع (محمد علي).
يوم أول يوليو 1946
.. إجتمعنا اليوم نحن المتهمين في قضية (أمين عثمان)
لأول مرة لنتعارف؛ وقد كان يسود الجو ريبة وشك شديدان؛ إلا أن سرد أهوال سجن الأجانب
قرب بين نفوسنا فاقترحت أن نفكر في كيفية النهوض بحالتنا؛ وجعل حياتنا هنا شيئاً محتملاً
بقدر الإمكان؛ وانتهينا إلى قرارات كثيرة كان أهمها: إصدار مجلتين إسبوعيتين تتضمنان
الحوادث العامة والتعليق عليهما.
.. وقد سرت إشاعة أن المقالة الجيدة أو القصيدة الموزونة
ستكون مكافأتها سيجارة؛ بإعتبار أن السيجارة هنا أندر من الذهب!!؛ وكان عنوان الجريدة
الأولى (الهنكرة والمنكرة).
يوم (26 أكتوبر 1946)
.. طلع الصباح؛ وطلعة علينا المجلة.. يا إلهي ما أجمل
أن يشرق النور فتبدو فرحة الإنتصار؛ ولهفة الشوق!
.. هاهى مجلتنا بين يدي وسأحتفظ بها تذكاراً لهذه الفترة؛
ولعلي أهديها لقومي في يوم من الأيام.
يوم (20 فبراير 1948)
.. إستخف بنا الفرح؛ فنظمنا أمس لأول مرة مهرجاناً
مكتوماً؛ وكم يطيب لي أن أروي في هذه الصفحات وصفاً لهذا المهرجان (الهيستيري)؛ لعلي
أتمتع بقراءته في الخارج.
.. كان المهرجان سهرة في قصر (هارون الرشيد) واشتركنا
جميعاً في وضعه وتمثيله وإخراجه؛ والإستمتاع به في آن واحد!!.. وكان توزيع الأدوار
كالآتي:
أنور السادات: هارون الرشيد
(الخليفة)
حسين توفيق: السياف عبد
الله
السيد خميس القهرمانة وكبيرة
القيان
سعيد توفيق: كبير الحجاب
مدحت فخري: شهرزاد؛ الراقصة
المغرية
عمر أبو علي: إسحق الموصلي
أحمد وسيم / محمد كريم
/ محجوب: فتيات الكورس الجوهري: بائع اللب
مراد: الخواجة؛ ورئيس وفد
الفرنجة
.. وتبدأ السهرة؛ بأن يشير الخليفة إلى القهرمانة لتدبير
العزف والغناء؛ فيرتفع صوتها هى وفتيات الكورس في توشيح جميل.:
بالذي أسكر من خمر اللمـا كل مسجون أسيف وحبا
والذي أجرى دموعي عندما أخرج
(...) والظلم سوا
.. ويطرب الخليفة؛ بيستعيد النغم مثنى وثلاث؛ ويطرب
الحضور فيندفع الجميع في جو كله طرب وطبول.. ثم يهدأ الجو؛ ويشير الخليفة إلى القهرمانة
لتغني أحدث ألحان الموصلي قائلاً في نشوة:
ولتغن القيان؛ وليحرق البخور
في أرجاء المكان
.. فتنحني القهرمانة أدباً
وخضوعاً؛ وفي حنان ورقة يرتفع الغناء فيعم الأرجاء.
جانا الخليفة جانا والسعد أهو ويانــا
في مجلسه حيانا وبخمرته سقانـــا
.. وتأخذ القهرمانة والقيان في ترديد النغم على مختلف
الألحان؛ والموصلي يهتز للأوزان؛ فيأخذ الطرب بمجامع الخليقة؛ فلا يتمالك من أن يندفع
ويرد على القيان:
أنا جيت لكم والله يا ولاد أنا أحبكم قوي يا ولاد
أنا جيت لكم أنا جيــت ده ألاتـــها لخبيط
يوم (30 مارس 1948)
.. حدث اليوم أن كنا في طابور الصباح؛ مقدم إلينا المدعو
(عبد الله زيدان) (مساعد العشماوي)؛ وجعل يحدثنا عن عمليات الشنق التي باشرها في الأربعة
عشرة مديرية على حد قوله؛ ثم أخذ يداعبنا بأن أخذ يعاين رقبة كل منا؛ ويصف له الحبل
الذي يناسبه؛ والمدة التي يستغرقها النبض.. وكان حديثه مدار تعليقاتنا ودعابتنا طول
اليوم!
يوم (8 يوليو 1948)
.. ولكن.. حل علينا رمضان برهبته ونشوته؛ والنفس مشغولة
كأشد ما يكون الإنشغال؛ والقلب يتلهف؛ والإنفعالات تعتمل في عنف وهدير.
.. ولا عجب فنحن اليوم على أبواب المصير.. ولكن.. لم
الجزع؛ ولم الخوف يا نفس؟!!.. ألم يقل سبحانه وتعالى (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله
لنا).. أليست حياتي هذه من صنع الله وتيسيره؛ وهو الذي يعلم ما في السموات وما في الأرض؛
وما بينهما.
.. يا نفس إثبتي ولا تضعفك الدنيا؛ واعلمي أن الحكم
لله؛ والأمر لله.. واحتفظي بالقوة والعزة تعودي إلى ربك راضية مرضية؛ وتدخلي جنته!!
.. ومن إصدارات الرئيس (السادات) على طريق مسيرته الأدبية
ومشواره الثقافي الذي إمتد لآخر عمره –يرحمه الله- (يا ولدي.. هذا عمك جمال؛ البحث
عن الذات؛ 30 شهراً في السجن؛ القاعدة الشعبية؛ صفحات مجهولة؛ قصة الثورة كاملة؛ معنى
الإتحاد القومي؛ نحو بعث جديد؛ وصيتي)!!
***
.. رحمك الله أيها الرئيس المؤمن وتغمدك برحمته؛
وليسامحك الله على ما إرتكبته في حق العهلم والفكر بإختيارك هذا التافه الفاشل
البائس الفرعون، أما بالنسبة لأحوال العقل الواعي المثقف الذي يملكه الرئيس
المخلوع –والسجين بحكم الله وعدله- فلم تظهر له أية بادرة في المعرفة؛ ولا أية
دراية في أمور الناس؛ حتى المتواضع منها؛ الساذج فيها؛ وكأنه لم يغادر (كفر
مصيلحة)؛ ولم يدخل يوماً (كُتاباً) ناهيك عن (المدرسة)؛ وكانه إنتقل فجأة من ثقل
أعمال الزراعة؛ إلى عز رفاهية قصور الرئاسة!! وبعد الفبحث والفحص والتمحيص للوقوف
على هذا الوضع الغريب وفهم هذا الإنتقال الرهيب؛ هذا التحول المستحيل!! ومع ذلك؛
ورغم كل ماسبق إنكشفت عورات (مبارك) العقلية والفكرية والثقافية بعد أإن أزيحت
الستائر السوداء؛ وتبددت غازات النفاق المسيلة للعقول والعيون والدموع.. وقامت
الثورة؛ وسقط خيال المآتة؛ وسراب الزمن؛ وخيبة الماضي والحاضر والمستقبل.. بعد أن
نسى الرئيس بدايته المبشرة وكيف إنقلبت الشعارات كوارث.. حيث أن طول بقاء (مبارك)
فوق القمة المشقوقة المتهاوية أدى إلى تكاثر الطحالب؛ وتكالب دفة المصالح؛ وتقنين
الفساد؛ حتى أصبح فسادا عارياً لا يتوارى ولا يخجل، بل يفرض نفسه في وقاحة، وقدر
غير مسبوق من الضمور والشراسة.
.. ثلاثون عاماً غيرت الرجل؛ تغير قبل إتمامه
ثلاثة عقود في الحكم، تغير منذ 50 عاما، صار الشعب فيها شاهد على الخراب، مغيباً
بإرادته أو بالإكراه، وأما شهيد الدمار، وتعددت ألوان الشهادة، حيث ترا الأعمار
بلا كرامة؛ في زمن إرادة (مبارك) صلداً أملس لا يصلح لإنبات عشب، ولا تثبت عليه
قدم، غامت شمس مصر، ولانت عظام جيل كامل أدرك أنه غير مهيأ للإنتفاض، لا نجم في
الأفق؛ ولا أمل في حرية؛ إذ وزع (خراج مصر أربعة وعشرين قيراطاً)، أربعة عشر
للسلطان؛ وستة للأغنياء؛ وأربعة للجند، وحين سئل عن نصيب المصريين بعد أن وزعت
القراريط أجاب: لهم بحمد الله القيراط الخامس والعشرون الذي هو في جنة الخلد!!.
.. وقد ذكرني ما مضى بما قاله الدكتور في
مقاله:(العائلية وأيديولوجية مصر الوحيدة) بعد أن إستقر (مبارك) على سريره في
المركز الطبي العالمي بعد أن هبت ثورة يناير وأطاحت بكل سواد الليل العاجز
الطويل.. وإليكم المقال:

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق