إبتسامة صفراء يابسة - قصة قصيرة تأليف عزت عبد العزيز حجازي

إبتسامة صفراء يابسة

      بسعادة ثعلب يُطارد الريح والبوم (أمام قصعة "القوالح" وكركرة "الجوزة" بالوسعاية) يروح يُفكر ويُفكر.. وفجأة (بعد أن "يسف" قرطاسين كاملين من بلح جوزة الطيب.. وكوز شاي بالأفيون) يأخذ يرسم(بجسده النحيل.. جلبابه الواسع الفضفاض الطويل) دوائر راقصة.. مهللاً.. متخذاً سيماء إمرأة تتمنع قبل أن تلين.. مانحة لذائذ جسدها (وأطبابه) لمن يعرف كيف يستخرجها منه.. يصيح:(يا حالولي يا اولاد.. مراتي حامل)!.

      يفُط كسمكة إلى الزقاق الملتوي مثل أمعاء ميت.. يسير كأنه يجري.. يجري كأنه يطير.. يملأ الأفق الشرقي.. يشق العتمة التي تحيط بالأرض.. يدق عنق باب دار أبيه القديمة.. يزف البشري البليدة لأمه العجوز.. القعيدة.. تصرخ في وجهه:(يا ما جاب الغراب لامه.. أتوقظني يا ولد "المركوب" من عز النوم.. لتخبرني بأن امرأتك حامل.. بأمارة ماذا يا سبع البراري؟!.. كنت أظنك تحمل لي ذكر بط.. أو أوزة.. أو حتي  دجاجة"أتقوت" بها. أغرب يا ولد "المركوب" عن وجهي.. قال إمراتي حامل قال!.

      وحين يخرُج.. يجد نفسه غير الذي دخل.. يصير منزوياً تحت أقدام الوهَن.. مكسوراً.. يجر أذيال خيبته.. لوعته.. صدمته.. تسرقه سكين (وكسته) الي حيث بيوت القرية الناعسة كبجعات سوداء مطوية الأجنحة.. يود سماع كلمة مبروك من أخته (الحيلة) أخر العنقود سُكر معقود.. لعل وعسي يلين قلبها له.. كي تنوب عنه في زف بشارة طمأنينة قلبه.. بمنحه بهجة (ولو منقوصه) في صباح يأت له دون ان يذهب اليه.. لتوزيع الملبس والشربات على الصغار والكبار.. بُشرى تشريف ولي العهد.. مُنية النفس.. بعد طول صبر.. مكابدة.. مناهدة.. دوخة (شرق وغرب.. شمال وجنوب) على الأطباء.. العطارين.. الرقايين.. السَّحَرة.. طالبي النذور.. العطايا.. الهبات.. الصلاة والدعاء في بيوت أولياء الله الصالحين!.
      يَُرُد علي أعقابه.. مُشيعاً بوجع الكلمات الموجِعة:(الآن افتكرت أختك يا وحيد أبيك وأمك.. لك كم سنة لم يرك أحد.. دائر مع الحربائة من مولد لمولد.. ألا تعلم بأن أولادي قد نسيوا وجهك؟!. إذهب عني الله لا يسيئك.. ألا يكفي أن أبيك قد مات بحسرته.. وأمك عدمت نظرها بسببك.. ثم تعالى هنا.. كيف تكون إمرأتك حامل.. هه)؟!.
      كالمحموم يُعاني نوبة هذيان.. نصفه يضحك.. ونصفه يبكي.. ونصفه الأخر مثل بحر يُريد أن يتخلص من زبده قبل أن ينام.. يزوم مثل كلب.. يعوي مثل ذئب.. يترنح في طريق عودته.. ناظراً الي البعيد.. البعيد.. إلي عتمة ليلته المُتكاثرة علي الضفتين.. مُتشبثاًً بحواف الجسر.. يقاوم العجز والنكوص.. ينز نثار حلمه القديم في ولد (يشيل) إسمه ويرفع رأسه!.
       تلوح مشوشه (في مخيلته) صورة إمرأته وهى تتلوي بالوجع.. وبجوارها الدايه (نبويه ) تسحب رأس وليده.. يفغر فاهه عن ابتسامة صفراء يابسة كالقش.. حزينة مثل جمرة مُنطفئه.. يغمغم بصوت مسموع.. مصحوباً بخشخشة وتزييق أنفاس صدره اللاهث.. المريض:(ماذا يُريدون مني؟!. أن أبكي!. ولم لا؟!. ها هو بكائي وضحكي في قلب العتمة.. وماذا يعني كلام الطبيب بأن العيب مني.. وليس منها؟!. وهل علمه أقوى من علم ربنا وقدرته؟!. أي نعم.. هى راقصة "لهلوبة".. وأصغر مني بكثير.. وخفة دمها "ناقعة حبتين".. قل تلاته.. لكن لا تفعلها.. هى تعلم مدي حُبي لها.. وتضحيتي من أجلها. ألا يكفي يا خلق بأن العصمة بيدها.. وطيني ومالي تحت قدميها؟!. لا.. لا.. لن أقوم بأي تحاليل (ولادياولو).. فيكفي الولد أن يُصبح شبهي.. ويأخذ لوني.. ويكون صوته مثل صوتي.. تتمايل أمه والربابة عليه!.).
       لا يدرك (في تلك اللحظة) ان الأرض تتألم حين تشقها النبتة.. ولكن.. ماذا يفعل؟!.. وهل تستطيع إمرأته إنتظار صباح جديد؟!.
      اسراب النمل تسري في دمه.. وخوفه عليها (وعلي من سيأت) يدفعه إلى الخارج.. تقابله النسمات الباردة.. نباح الكلاب.. مواء القطط.. وها هى.. قريتة نائمة.. والقمر يلقي بنوره الكابي علي أسطح الدور.. والأزقة تمر به فلا يراها.. ولا يشعر بها.. وأمام باب الدار الخشبي (برسوماته النباتيه الضامرة) يتسمر كالوتد.. وفي ثانيه.. يدق الباب بوهن.. وبصوت مُتهدج:
-يا خاله نبويه.. يا خاله نبويه.
     ترد الخاله نبويه التي لا تخشي عفاريت الليل:
-من بالباب؟!.
-انا يا خاله نبويه!.
-ماذا تُريد؟!.
-حالة ولاده يا خاله!.
-حالا يا ولدي.
      تفتح الخالة نبويه الباب وتخرج.. وما إن تراه حتى تبتسم له.. وتقول:
-صباح الخير يا ولدي.
      لم تاخذ السنين من حيويتها وبشاشتها. تغلق الباب وتمشي معه.. وعندما تُلاحظ صمته تقول له:
-بكريَّه يا ولدي؟!.
 ألا تعلمي يا خاله؟!.
     بتلعثم:
-نعم يا ولدي.. نعم.. يقطعني.. لا أقصد يا حبيبي , ربنا (ينتعها) لك بالسلامة!.
       يتردد في الأفاق اذان فجر.. تُتمتم (الداية) بكلمات الدُعاء.. يدعو هو أيضاً.. يصلا إلى الدار.. يفتح الباب.. الزوجه لا زالت تتأوه.. تدخل الدايه حُجرتها.. تطلب منه ماءاً ساخناً وصابوناً.. يعد الماء الساخن.. يناولها الإناء.. تُغلق باب الحُجرة.. كي تحول بينه وبين الصراخ.. عقارب الساعه لا تسير.. وقت ثقيل وراكد كالرصاص المنصهر.. قلبه ينخلع مع كل آهه ولو خافتة.. خمس دقائق تمُر كدهر.. يتجه نحو زوجته.. ما ان تراه حتى تبتسم له إبتسامة صفراء.. يابسة كالقش.. حزينة مثل جمرة منطفئة.. ولا يدري لماذا؟ يُقبل جبينها.. تقف الخاله نبويه.. ترفع الوليد (بيد واحدة في وضع مقلوب) وتأخذ تضرب على قدميه برفق (وعلى ظهره) فيتدفق من فمه بعض الماء والرغاوي.. ثم تعدل من وضع انفه وسقف فمه.. تُبادر:
-مبروك يا ولدي.
-ولد.. أم بنت.. يا خاله؟!.
-ولد ابيض مثل الفل.. إمراتك (إتوحمت) على قمر ملالي.. يتربي في عزك يا ولدي!.
-لكن.. يا خاله.
-من غير لكن يا ولدي.. غداً شمس قريتنا تجعله في لون طينها.. لا تقلق يا حبيبي.. الله يكون في عونك!.
      تلف الخاله نبويه الشال علي راسها.. وتتأهب للخروج.. يُناولها (عشرون جنيه).. ترفض ان تأخذها.. وهى تقول له:(لا لزوم يا ولدي.. لا لزوم)!.. ولكنها تستسلم تحت إصراره.. وهاهو.. يمشي معها منكس الراس.. دامع العينين.. ينظر اليها (وهى تبتعد) حتى تختفي مع مُنحني الطريق الترابي.. الواصل به إلى مجري النهر الذي يفتح له ذراعيه.. وعلى شفتيه ترتسم (من جديد) إبتسامه صفراء.. يابسه كالقش.. حزينة مثل جمرة مُنطفئة!.
تأليف عزت عبد العزيز حجازي





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كام قطر فات؟! غنائيه عاميه من كلمات عزت عبد العزيز حجازي

كام قطر فات؟! ************* كام قطر فات يا مانا واحنا .. واحنا لسه متربعين ع المحطة في انتظار .. ؟! كام قطر فات يا مَّاَنَا وا...